ابو القاسم عبد الكريم القشيري

486

لطائف الإشارات

وفي النار ، وبالقلب من حيث وحشة الكفر ، وبالوقت من حيث انغلاق الأمور . ويقال من أعرض عن الانخراط في قصايا الوفاق انثالت عليه فنون الخذلان ، ومن أعرض عن استدامة ذكره - سبحانه - بالقلب توالت عليه من تفرقة القلب ما يسلب عنه كلّ روح . ومن أعرض عن الاستئناس بذكره انفتحت عليه وساوس الشيطان وهواجس النّفس بما يوجب له وحشة الضمير ، وانسداد أبواب الراحة والبسط . ويقال من أعرض عن ذكر اللّه في الخلوة قيّض اللّه له في الظاهر من القرين السوء ما توجب رؤيته له قبض القلوب واستيلاء الوحشة . قوله جل ذكره : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى في الخبر : « من كان بحالة لقى اللّه بها » فمن كان في الدنيا أعمى القلب يحشر على حالته ، ومن يعش على جهل يحشر على جهل ، ولذا يقولون : « مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ؟ » « 1 » إلى أن تصير معارفهم ضرورية . وكما يتركون - اليوم - التدبّر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 127 ] وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ( 127 ) جرت سنّته بأن يجازى كلا بما يليق بحاله ، فما أسلفه لنفسه سيلقى غبّه ؛ على الخير خيرا ، وعلى الشرّ شرّا .

--> ( 1 ) آية 52 سورة يس .